الأوراق المتناثرة.. وحقيبة السفر (4)

الأوراق المتناثرة.. وحقيبة السفر (4)

الأوراق المتناثرة.. وحقيبة السفر (4)

صعد السلم بنثاقل متجاوزا الطوابق إلى أن وصل أمام شقتها ذات الباب الأزرق. الأزرق! لون زينب المفضل... تردد لحظة وهو يتأمله ثم طرق، مرة ثم مرتين ثم ثلاثا، لكن الباب ظل مغلقا. لم يتحرك من مكانه ومكث واقفا بإصرار وهو متأكد أنها تراقبه من وراء العين السحرية، اجتاح عطرها كل مراكز حسه فشعر بطمأنينة أعادت له ثقته ... تراجع بضع خطوات ثم جلس على أحد أدراج السلم، أشعل سيجارة وأخذ نفسا عميقا وعيناه لاتفارقان الباب المغلق... فجأة سمع حركة القفل، لكنه لم يتحرك من مكانه وحافظ على هدوئه. انتظر قليلا ثم غادر الدرج واقترب من الباب بخطوات واثقة. اعتدل في وقفته وسوى هندامه وكأنه متأكد أن الباب لاشك سيفتح، لكن دون جدوى فأخرج هاتفه النقال وركب رقمها فوصله صوت جرس هاتفها المحمول من داخل الشقة ثم تبع الرنين صمت مطبق. وصلته فجأة رسالة إليكترونية أخرجته من تفكيره وحيرته: "لا أستطيع السفر، فطه مريض طريح الفراش ولدي التزامات عائلية لا أستطيع تأجيلها. معذرة."... أراد أن يرد على تهربها لكنه عدل عن الفكرة فوصلته في الحين رسالة أخرى: 'أعرف أنك هنا، واقف أمام الباب. من فضلك انصرف، قد يثير تواجدك شكوك الجيران. لا أريد فضائح، انصرف ولاتعاود الاتصال بي. أرجوك.." تذكر فجأة يوم قالت له أنها عنيدة عناد الأطفال حين يصرون على شيء، فأصر هو أيضا على البقاء هنا في هذا البهو الفارغ كطفل عاد من المدرسة ولم يجد أبويه في البيت.


ألقى خالد نظرة على أبواب الشقق المغلقة والمحاطة بصمت رهيب، ثم كتب في الحين رسالته: "لن أتحرك من مكاني إلى أن تفتحي الباب. سأظل هنا وإن تطلب مني الأمر الانتظار بقية حياتي. لن أهتم للجيران أو حتى لحضور الشرطة ، فأنا لست بلص ولا مجرم، أنا مجرد شخص وجد ضالته التي كان يبحث عنها منذ أن رمي به عبثا في هذا العالم ولن أتنازل عنها مهما تطلب الأمر." تريث لحظة مترددا ثم ضغط بإصرار على زر الإرسال. وصلته رنة وصول الرسالة من خلف الباب فعاد إلى درج السلم وجلس ينتظر... لا يعرف كيف تغيرت سلوكاته و قراراته؟ وكيف وصل إلى هنا وماذا يريد؟  لا أحد يعرف كيف ومتى نشأت هاته العلاقة العصية عن الفهم بينه وبين هاته المرأة القابعة خلف الباب؟ تصل أسماعه  وقع خطواتها الخفيفة من خلف الباب الموصد مصحوبة برائحة عطرها الذي امتزج برائحة الدخان المنبعث من سيجارته التي قاربت الانتهاء، لكنه لم يتحرك من مكانه ولم يغادر وظل ينظر إلى الشقة بإصرار وهدوء وكأنه واثق من أن هذا الباب الأزرق حتما  سيفتح...

محمد مفتكر

.

.                                                       يتبع...


مقالات دات صلة

التعليقات