ثنائية (الخير والحلم) رودان ...بيكاسو.. بين التجريب والتكعيب بين القُبلة ومنحة الحياة

ثنائية (الخير والحلم) رودان ...بيكاسو.. بين التجريب والتكعيب بين القُبلة ومنحة الحياة

ثنائية (الخير والحلم) رودان ...بيكاسو.. بين التجريب والتكعيب بين القُبلة ومنحة الحياة





   باريس : عبد الرزاق عكاشة.

 الحلقة الأولى:                   

   *هذه هي الارض الخصبة العامرة بالمحبة والسلام .. أرض الفنانين الكبار  .. رواد الأحلام والإنسانية .. سامحني يالله !! لقد جذبتني دراويش الفن .. عفاريت الأدب  .. شاطين الإبداع ، إلى هذه البقعة الصعبة، المبصر فيها الآن ضرير ، والكذاب شيخ طريقة.. 

 كنت أظن هذه الأرض وطن للمتصوفين .. حماية لأهل السلام الصادقين القارئين. المبصرين. والعابرين إلى الحلم ، لكن اكتشفتها _ يالله _ منطقة غرق. لا ستر ولا عرف. وسط المراوغين المخداعين. أصبحت منطقة أحتراق لا أختراق، وحتي الغريق فيها  يجذبه (حلم ) لايفيق منة العشاق، إلا في وسط اليم.

  *لقد جذبتي_ يالله _ الشمس الساطعة خلف  هرم الطفولة، فتعثرت أقدامي، وسار ظلي يسبقي يمشي و يجرى أمامي، في حين أن اقدمي مثبتة عند بداية القصة. متعثرة عند مطلع النشيد، أحساسي مبعثرة في وسط الرواية، لكن يقني بك وفيك لايتوقف يوما _ ياعلي ياقدير ، لا أنتظر أشارات حمراء عند  تمثال مجهول، سامحني ياربي لم أهتم بما يدور ويجول، ولابأكاذيب مايجري حولي. لم أهتم بانتصار عابر ولاسلام مؤقت. لم أصفق لموظف من عبيد الحياة،  لم أهتم بوردة سقطت امامي من عطش وطول الطريق ففقدت عذريتها . غامرت وعبرت الطريق .البحر الجبال  انتظرت وتأملت. ومازال يقني معلق عند أهداب سمائك. . ياربي ياعظيم اناجيك قبل أن يصبح الأمل ضباب، وصوت الطقس الحار. في النهار المقدس يصبح رمادا. أوثلجا جافا صلب يقتل أنفاس شيخ علي قارعة طريق. جمد النهار البائس  يومه .

 اليوم وأنا مصحوب بدهشة التأمل منذ أن قرأت إعلان المعرض، ثم ذهبت فألتقيت بهم الكبار (بيكاسو ..و رودان.) صبحكم الله بالخير في يوم معطر برائحة رودان، وجماليات اللون بيكاسو، عطر طين الصلصال الأحجار، ورائحة زيت التربتين. وطباشير الفحم والباستيل، هنا تروي القصص، تحكي الحكايات، التناقضات والمقابلات. هنا أنا وهم ، هم يرون العطش، وأنا أسأل عن مكان الماء. عن خرير الصدق وشلالات  الألوان المتدفقة ، أين ينابيع  الضوء وصوت آذن فجر لم يشرق بعد. واجراس كنائس لا تكف عن السفر بعد وضوء المسافات، أو تقطع الترحال من خيالها المخصب بالرحمة . 

 ثنائية رودان وبيكاسو معرض يفوق الخيال.      المعرض  

 على الباب تنتظرك ساحرة بيكاسو (1881_1973) لوحة العجوز التي رسمها في (الصبا) في شبابه مفتون بالحياة والفن وعشق النساء (1903) اي كان عمره اثنتين وعشرين (22)عاما فقط بعد أن حضر لباريس بعدة سنوات مصابا بالاكتئاب فتحول أسلوب بيكاسو المولود في 1881 في الخامسة عشر من اكتوبر  إلى الرسم بالألوان الزرقاء ما يسمي بالمرحلة (الوردية) وهي مرحلة تلائم سن الشباب أو المرحلة الزرقاء، ونجد أن اسم المرحلة هو رد فعل ( نفسي) اساسا  علي فكرة الإكتئاب. 

فالفنان حين يصاب بها يريد ألا يعكس ذلك علي جمهوره، بل العكس  يلجأ إلى  استجلاب الطاقات الجيدة لطرد السلبي داخله. يريد إسعاد جمهوره المتلقي. المتابع والناقد حتي ترد السعادة  عليه مرة أخرى فينهض من الكبوه النفسية الصعبة.    

       (العجوز الساحرة ) وكانت هذه اللوحة إحدى بدايات تلك المرحلة  الزرقاء (أو الوردية) التي يمكن أن تكون هي السبب في ميلاد تلك المرحلة كلها ، فاللون الأزرق معروف أنه اللون الطارد أو المقاوم للحسد .فاستعمال بيكاسو لهذا اللون ربما جاء بالصدفة مع  تلك اللوحة التي يدهشك سحر ألوانها الوردية والدراما الإنسانية  جرأة بيكاسو وهو يسبح عكس التيار  .. ففي هذه الأعوام كانت ومازالت التأثرية تتنفس وتسطر علي عقول المشاهدين والمقنين .. ليجد بيكاسو نفسه في منطقة مختلفة تماما. من التجريب والتحديث، لكنها تجربة مختلفة تماما في التحول من الافرازات اللونية عند التأثريين أوالتنقطين إلى مرحلة علاقات اللون بالحالة النفسية الداخلية ..

 وهنا عبقرية بيكاسو لأنه يذهب دائما إلى مالايره الأخرون ..يقطحم جسر لم يعبره من قلبه أحد  ..الحالة اللونية وارتبطابها بالحالة النفسية من الدرجة الأولى ثم علاقة الأخذ والرد بين الفنان والموديل والمتلقي، رهيب هذا الفنان المتجدد والمجدد  الذي لايفهم سر عبقرية الكثير من حولنا إلى الآن.


   *وهنا يضع منظم المعرض المحترف تمثال رودان الأعمي أو الضرير في المقابل ، ليربط بين عدة مستويات في قراءة الأعمال مستويات إجتماعية ونفسية. وفلسفية والحالة الإنسانية الموديل والفنان . حالة الاثنين معا .. وكيف مر رودان(1840_1917) بنفس الانعكاسات والافرازت. لكن رودان كان نحاتا مجربا طلائعي (افنجاردست) .. هنا التجريب والتجديد عند نحات رهيب وراهب يبحث كذلك في الفكرة في الفلسفة. وليس في الشكل الكلاسيكي مثل فناني عصره... هنا السيد بيكاسو يصور العجوز التي فقدت إحدي عينيها وتسمي (عوراء) مجسدا الحالة النفسية وكأنها ساحرة أو حاسدة أو حاقدة..عاقبها الرب. فتنتقم بالحسد من وعلي الأخرين، حتي أن بيكاسو ترك عدة شعرات في مكان الشارب والذقن، وكأنه ينزع عنها الأنوثة تماما، رابطا (حالته) هو بيكاسو النفسية بحالة الموديل، وأن ما أصابه من عدم توفيق ربما يعود إلى الساحرة العين الحاسدة. ولأنه كانت  هذه الفترة( لايبيع فيها بيكاسو أعماله ) هذه الفترة الصعبة والتي كان فيها ومكتئب و حزين. بنفس المستوي النفسي شكل من الطين السيد المهيب الرهيب أحد أركان النحت المعاصر وسيد الحداثة ..

 رودان وجه هذه الشخصية في شكل رجل أعمي. والعمي هنا حالة وليس إعاقة ..لأن وردان دائما  كانت فكرة الإبصار عنده مختلفة عن الآخرين، كان أكثر الفنانين  بين أبناء جيله عمقا وفهما وفلسفة لهذه الحالة.

 ونتذكر معه تمثال الكاتب الرائع بلزاك (1799_1850) للفنان رودان نفسه حين نحته بلا عيون وحين سأل أجاب بالتالي (بلزاك) كان ينظر إلى داخله. ففي داخله بصيرة ووجع لا يري بالعين المجردة، إنما بصيرة تأتي من الداخل. كانت فلسفة عمقية هادفة في تلك الفترة المبكرة التي تسبق  أو تضع لبنات الحداثة الجديدة في الفنون والآداب.

*فنان تشكيلي وناقد

*رئيس مهرجان شمس العرب 

*عضو هيئة تحرير مجلة آربريس..



مقالات دات صلة

التعليقات