بورتريهات حسن بريش (22 : مليكة العاصمي .. صوت هادر يعصي أوامر العتمات المتفشية..!!

بورتريهات حسن بريش (22 : مليكة العاصمي .. صوت هادر يعصي أوامر العتمات المتفشية..!!

بورتريهات حسن بريش (22 : مليكة العاصمي .. صوت هادر يعصي أوامر العتمات المتفشية..!!

  بقلم حسن بيريش  

(1)

هل يبدو لكم مدهشا ما لم يحدث لي الٱن..؟!

أفكر في عبارة سخية أختم بها هذا البورتري، بينما أنا لم أكتب بعد جملتي الأولى في نصه..!!

احزموا حقائب استغرابكم، وعوض أن تسخروا من حبري، ارحلوا إلى مليكة العاصمي، اسألوها: لماذا توحي لي بحرف البداية، ثم تغريني بعبارة النهاية..؟!

والأجدى أن لا تسألوها، لأنكم إن فعلتم، ستجيبكم بسؤال، ويحتمل أن تحث كل واحد منكم على كتابة بورتري عنها، وعوض أن يبقى الاندهاش بصيغة المفرد، قد يتحول إلى استغراب بصيغة الجمع..!!

وتلك مهارة مليكة: تقودك إلى بدء الرواء، ثم ترجع بك إلى منتهى الظمأ، فلا تعرف، أو تدرك:

أأنت رابض 

في أوائل قصيدها، 

أم واقف 

في منتصف معناها، 

أم مطوح بك نحو

أواخر مكر صورها اللعوب..؟!

هل يبدو لكم غريبا ما يحدث لي الٱن..؟!

(2)

منذ أول كلمة، وقبل تشكل المعنى، تشدك إليها كما لو كانت تمسك بتلابيب عينيك، حد أنك لا تبارحها، ولا تفارقك، إلى أن تصلا، معا، أنت إلى نهاية النص، وهي إلى بداية المعنى، والشعر عنكما راض، وبكما مغتبط.

"منذُ تفتح فلقُ الإصباحِ تفتّحتُ

وفجّرني خيطٌ ذهبيُّ غازلني

وتبرْعم في نوّارتيَ الصفراء

فتَّحْت بذوري

نَوَيَاتِيَ ونُذُوري

فتَّحْتُ دَواخِلَ رُوحي في وَهَجِ

الإشْعاعْ

نَزَعْتُ خُدورِي

خَلْخَلْتُ جُذُوري

وَاسْتَكْمَلْتُ لمَصِّ النَّارْ

جَسَداً حلَّ مَسَارِبَهُ لِتَلَقِّي نَضْحِ

الشَّمْسِ

اللاَّهِبَةِ اللَّّهْفَى".

أنى عثرت على مليكة العاصمي، أجد فيها مبدعة موسومة بالتجدد، وشغوفة بالتشابك مع أسئلة المتحول، تضع اللباب نصب قلمها.

(3)

تنتمي مليكة العاصمي، على مستوى الكتابة الإبداعية، إلى جيل استثنائي لن يتكرر، صدق الناقد نجيب العوفي حين وصفه بالجيل الذي "لمع مثل الشهاب".

قادها بحثها عن استشراف أفقها الخاص، عوالمها المتميزة، إلى الاستغناء عن التوليد والاستنساخ، والانطلاق من رهان ممكنات الذات لابتداع قصيدتها الذكية، والمتفطنة لجدلية النص بين الأنا والغير.

على غرار مبدعي جيلها، تتبدى اهتمامات مليكة ذات نزوع موسوعي، يراكم الأسئلة الاستكشافية، الحفرية، التأصيلية، وينشغل بالمعرفة في مناحيها الشمولية.

ورصد نتاجها المتحقق، في صنفيه الشعري والفكري، يثبت تطلعها إلى مراودة التكامل، وانفرادها بالخصائص المغايرة، 

التي تروم توسيع زوايا الرؤية، وتفعيل انفتاح جماع النص على الأبعد، الأرحب، والأنضج.

"كُوني لهاجرتي الظّلَّ

كُوني لِجَهْلي النبِيَّ

ودونَكِ قلبي

اطْعَنيهِ كما شِئْت

ووجهي

ارسميه

أعيدي تضاريسَهُ

شَكِّليهِ كما ترغبينَ

وهاكِ نَحيبي

اعْزِفيهِ جديدًا

إلى أن يشفَّ وتصعدَ أُغْنيّتي للسماء".

(4)

ليس من اليسير أن تقرأ نتاج مليكة، أن تتوغل في جماع صبوات شعرها. ذلك لأن باطن عرامها لا يربت على كتف ظاهر إغوائها. ولأن ما لا يرى إلا ببصيرة العبارة، هو الذي يقود ما يرى ببصر التلقي.

وثمة في قصيدها أزقة لولبية، وشوارع متفرعة، قد تتوه خطاك في البحث عن عنوان سكن النص، ما لم تكن تتوفر على خارطة سير تمسك بسر لهاثك، وتؤول بعلانية ولعك صوب علامات بها، وحدها، تقبض على شسوع معناك، كي

تعانق وعثاءك في راحتها..!!

"قبل الفجر وقبل مكاء الطير

يحل الإعصار

تركبني الجنيات السبع

يفور دمي

ويضيق بي النهر

فأكتسح الغابات

أواجه هوج الرياح

أصففها في الهواء وأنشرها

وأقوم برقص جنوني

أصير ملائكة سابحات

بجنح الصقور

على الكائنات

الأعاصير تغسلني

فأجف

أعود كمثل الأجنة

تطرحها رحم الأمهات".

أيمكن البقاء في لجج حياد القراءة، ونحن نتشكل، دهشة، داخل رحم هذا النص الملتبس، الذي يتخذ، كما يخيل لي، هيئة مدينة ضاجة بفتوحات الغرابة..؟!

هنا أستعيد قولة مضيئة لمليكة، أطلقتها في وجه القراءة زمن النصوص الجياد:

"ما من نص شعري 

مقطوع الصلة 

بإشعاع الغرابة،

لأن تثمين القصيدة 

بضوء الغرابة،

يتيح لها ممكنات تعبيرية ثرة".

(5)

ذات قراءة وارفة، وصفها الشاعر المغربي محمد الديهاجي بالعبارة الفاتنة للجرجاني:

"تجمع بين أعناق المتنافرات 

والمتباينات في رَبْقًةٍ.. 

وتعقِدُ بين الأجنبيات 

معاقدَ نسبٍ وشبْكةٍ".

وهنا، تحديدا، يكمن شكل تعاطي مليكة مع اللغة، وكيفية تأسيسها لمحتوى العبارة الشعرية، والمكابدات التي تعتلي اشتغالها الدؤوب، المتفوق، على بنية الجملة.

إنها لا تهدم جدران اللغة، لا تنسف جسورها، بل تعريها حد تركها في مهب ارتعاش ليس من طبيعتها. بالتالي، تتحول اللغة، وهي بين يدي انتفاضتها، من جليد اللهب إلى لهيب الجليد، من الدوران إلى التطويح.

"إني أموت عليكِ

أشقُّ قميصي

لكي تنظُري كيف تضطرِمُ النارُ

في كبدِ اللظى

أقطِّعُ قيثارتي من نِياطِ الدِّماغ". 

ومهارتها في شحن لغتها بمحمولات رمزية بكر، تثير جماع دهشة المتلقي، وهو يرتاد نصها النضاح، الذي يتقاطع فيه الجزئي / العابر، والكلي / الراسخ، مقترحا تعددا زاخرا في

عملية تلقيه وممارسة القراءة عليه، تجديد كتابته.

"تساقطتِ الأحرف ناريّةً

نارية

في جمجمة الحجّامِ

تساقطتِ الأحرفُ في دمهِ:

ذالٌ.. باءٌ.. حاءٌ.. حاءٌ.. جيمٌ…

ألفٌ.. ميمٌ.. صادٌ.. واوٌ.. ميمٌ.. عينٌ.. تاءٌ".

إنها "اللغة المشرئبة"، بتعبيرها، تلك التي تبحث عنها "كسنا البرق" في جسدها "المستَعَرِّ بنار الفُتُوّةِ"..!!

(6)

عن صراط الظلم التاريخي للمرأة، غير المستقيم، خرجت مليكة إلى العلن، لتشهر احتجاجها العام، والعارم، على كل 

الظلم الذي يطال النساء، ويدفع بهن نحو الخفاء، ليتقدم الرجال أكثر، وأعمق، مكرسين وصاية مقيتة.

من "المرأة وإشكالية الديمقراطية: 

قراءة في الواقع والخطاب

(1991)، 

إلى صورة المرأة في 

الموروث الشعبي المغربي 

(2011)، 

ثم "فتيات ونساء مراكش 

رائدات النهضة المغربية 

(2012).

علامات على طريق طويل تضوأ بيافع صوتها الذي مارس لجوءه الهادر إلى قضايا الأنوثة المهدور حقها ودمها، وكذا المكبل جسدها، المعتقلة رغائبها، المقموع صوتها، صرختها، رأيها، والمطوح بها نحو حواشي هامش الهامش..!!

من هنا، حق للشاعرة إكرام عبدي، أن تقول عنها الذي عبره عرفناها، وفيه توجناها، ثم به كانت هي "المليكة"، المعرفة بالألف واللام: 

"من المنشغلات الأوليات 

بقضية المرأة، وهموم المجتمع، 

تقف طويلا عند علله وآفاته، 

وتسانده بمواقفها الجريئة 

في رخائه وأزماته، 

تتأمل العالم ومتغيراته بقلق وسؤال، 

وتكشف عورات عتمة طاغية 

في دروب عالم مركب أخرق.."..!!

هي ذي العاصمي، ابنة رجل مستنير، هو أول من أسس في مراكش "مدرسة الفضيلة للبنات" سنة 1946، وأتاح فرصا لتعليم الفتيات، وتحريرهن، تمهيدا لإدماجهن في معتركات الحياة العامة.

تقول هذه المراكشية الرائعة، شكلا ومحتوى:

"القيم التي أنصفت المرأة 

باتت مهددة..

ثمة أزمة فكرية أنتجت 

تراجعات كثيرة على مستوى 

تحرر المرأة، 

وعلى صعيد حقوقها..."..!!


(7)

التقيتها كثيرا، وفي كل لقاء تتبدى لي خارج كل الأسوار، ممتدة، كليا، في وراف هواء الحرية الطلق.

لا "أشياء تراودها"، 

لا "حنجرة ميتة" 

تطال حياة كلامها.. 

وحده "كتاب العصف" 

يدلها، بجلاء الروح الطلعة،

على مكامن إدمان رسوخ التجلي.

هكذا أراها.

هكذا أحب أن أحبها.

(8)

ذات يوم، وصفها الناقد أحمد الطريسي، بقوله الذي رسخ عميقا في ذاكرة قراءتي:

"عرفت كيف تصل 

إلى ماء الشعر".

فيا ويلي أنا، ثم يا ويل هذا البورتي، إذا كنا، معا، لم نحقق رهان حبرنا الأكبر، والمرتجى، الذي أتمناه في عبارة سباعية الكلمات:

أن أعرف كيف أصل

إلى ماء محبتها..!!


مقالات دات صلة

التعليقات