الفنان الروسي الفرنسي نيكولا ديستال.. الأصفر جبال الثلج المجمد في وجة رياح الخماسين..

الفنان الروسي الفرنسي نيكولا ديستال.. الأصفر جبال الثلج المجمد في وجة رياح الخماسين..

الفنان الروسي الفرنسي نيكولا ديستال.. الأصفر جبال الثلج المجمد في وجة رياح الخماسين..


 باريس : عبد الرزاق عكاشة

صوت البيانو في عين جائعة لا تسمع الموسيقي.  اذن لا يدق داخلها جرس الصلاة او صوت مؤذن فجر يوم جديد . في محراب وثنية الفكرة يبحث عاشق النور  نيكولا ديستال الذي ولد 1914في مدينة سانت بترسبرج في روسيا من عائلة ارسئقراطية هاجرت البلاد مع بداية الثورة البلشيفية. لتواجه مصير غامض و لترسم الأحزان . البدايات الأولي علي قلب طفل لم يزهر عود ربيعه الأخضر .

توفى والديه و هو صغير في سن الثامنة من عمره  الاب و الام  و تبدأ الدراما مشوارها علي مخططات رصيف عمره.  ترسم ملامح مستقبل لم يرى بعد. 

، تتبناه أسرة بلجيكية تقيم في بروكسل كانت تقضي عطلة الصيف في روسيا و تبحث عن طفل جميل.. كان نيكولا ديستال نموذجا.

و كأن القدر يرفض  الإذلال لابن العائلات، برحيل امه و ابوه ،

  تسانده  هذه الاسرة الجديدة و تدعمه   حتي إلتحاقة بألاكاديمية الوطنية العليا  للفنون الجميلة في عام 1932 بروكسل. 

و كانت  لهذه العاصمة البلجيكية الصغيرة دورا مهما و مميزا في انطلاق العديد من فناني الشرق الأوروبي. في بدايات الحداثة مثل جماعة (كبرا) و روادها "الأنشنسكي " و"كورني " جاكسون بولك و غيرهم. و اليوم الدور عليك نيكولا، إنطلق  في أسفارك  العديدة إلى هولندا وسع دائرة بحثك عن  النور ...

مبهورا بفناني الإنطباعية من  الهولنديين. الذين  شكلوا نوعا من الخصوبة في ذاكرة معظم فناني هذه الفترة، 

و من هولندا تتوسع دائرة أسفاره إلى ايطاليا. فرنسا تزيد معرفته التشكيلية و يندفع في حب سيزان. .و من لا يحب سيزان ،،عزيزي نكولا !!!! .. يعشق مكعبات  جورج براك،؟ و يقف أمام قوة اللون  عند سويتن. ".ثراء  المادة اللونية المكثفة..و كأنه فنان جداري فخم .

 ثم يسافر إلى الجزائر بحثا. عن نور آخر في الشرق  المضئ، "فالنور لغزه المحير ظل الفنان يبحث عنه ويسأل  الرب عن النقاء، فالصفائية  والنقائية  هما عمق بصيرة الفنان، الذي ظل يبحث عنه  حتى وفاته.


 من الجزائر للمغرب. هناك في هذا البلد الجميل ،،  المغرب  يتعرف على سيدة متزوجة و لها أبناء تهوى الرسم و تحب الطموح،

 أكبر منه في السن بأكثر من خمس سنوات. هو في العشرينات و هي في الثلاثينات هي (جانين جبيو) تحبه. و تحب  الحلم معه ، و الكرم في عطائة الشخصي و الانساني. فتصبح رفقية دربه 

  ***اللوحة و القبض علي النور***

  لوحات ديستال هي مرايا تعكس هذا العطاء و ثقافة الكرم  اللوني فاللون مخلوط بمواد تصنع سمكا كبيرا أمام شبكة العين و كأنه يضع  مواد اسمنتيه ليشعرك ان عينك  تمشي بدلال امامك علي رصيف من حلم جديد، 

.يملك غنى نفس يعلن عنه بإجلال في كل سنمتر من اللوحة المجردة و المحكمة التكوين دائما.  فمن خلال عشقه الأكيد للتصوف و الايجاز البصري لأشياء المرصوصه داخل  العمل.  تتجلي نقائية و مصداقية أعمالة بعد العودة من المغرب إلى باريس مع الحبيبة الجديدة، 

 لكن يذهب إلى الجيش عام 1938. ويخرج من الجيش عام 1940 فيسافر إلى جنوب فرنسا.. بعد أن تعرف  علي عديد من تجريدي، هذه الفترة و يقيم علاقة صداقة مع سونيا دولانيه.  و اخوها  و يرسم بجدية و يحاول رفع الحجاب عن مشروعه الإبداعى ، خطوة تلو  الخطوة ، و يؤكد نفسه كل يوم و لكن القدر الذي يعتبره البعض وقف معه في البداية  بوجوده داخل اسرة غنية، يغير بوصلته و يدير ظهره ،،  لم يكن رحيما به. 

 تغيرات  حياته الفنية و الانسانية   حيث استيقظ فجأة في عام 1946 علي خبر وفاة الحبيبة جانين أثر مرض عضال  ظلام و ضلال امامه، امه و ابوه في الطفولة و الحبيبة في سن الشباب.   مما جعله انطوائي علي نفسه اكثر 

 و في هذه الفترة غلبت الخطوط السوداء المتقطعة علي عالمه ، و غاب النور عن مرسم  نيكولا ديستال. و بدأ و كأنه  شفق بعيدا جدا. نور غاب و لم يعاود  الإشراق.  

في هذه الفترة كانت البدايات المنطلقة عن خجل لنيكولا ديستال.  في عام 1948 محطة اخرى من النجاح تعوضه بعض الشئ.  يعرض في معرض جماعي بدعوة من صاحب رواق (لي سكيس ) مع نجوم التجريد و منهم كاندنسكي الروسي الأصل مثله. .

ديستال يكتب شهادة ميلاده في هذا المعرض. 

 صاحب القاعة يثق فيه و يقيم له معرضا فرديا خاصا ، يعلن عن ميلاد نجم جديد في عالم التشكيل.

 و يرفض ديستال فكرة أنه مجرد فنان تجريدي بحت ،،

فأعماله قائمة علي أساس بنائي يستمد قوته من الطبيعة الحية. 

و هذا ما تؤكده مرحلة عام 1949. بدأ ديستال في إعادة صياغة الطبيعة وفقا لبناء تجريدي او تجريد بنائي، مجدد

 و معاد تجهيزه داخل الذاكرة البصرية للفنان. 

ضربات الفرشاة و لطمات السكين ،،  الانحياز إلى التقسيم  في المساحات الكبرى أو الصغرى كما في لوحة المرسم، 

 الخطوط  يسكنها التوازي  و التوالي مع  كثافة اللون و كأنه في نسق غير مرتب. 

فأكيد أن اللقاء مع سونيا دولانيه اثر فيه من خلال خطوطها المتقاطعة المتقابلة و المتوازية.

في لوحة البحر  يعلن ديستال انحيازه الحقيقي للون على حساب الخط 

فربما أراد هو بنفسه الابتعاد عن أشكال سونيا دولانيه . و هذا احتمال"

 لكن في لوحة البحر يعلن عن  شيء جديد في التجريد مساحه كبري و فراغ ملون ..

و بناء معماري و تحديد جغرافيا اللوحة.  و تأكيد عناصر الزمن افق لا محدود و جمال لوني طازج الحس .

أهمية المكان   في اعمال ديستال 

في إعلان واضح عن انحيازه إلى الاختصار و تجريد الطبيعة  و التخلي عن الرسم  الانطباعي  أو الإنسياق وراء الأصوات التي تطالبه بان يكون مجرد تجريدي

 يرفض أن يكون بحثه مجرد تجريد أو غير مرتبط بالواقع،  انما مستمد عافيته  الفعلية من الطبيعة

 و البنائية كما فعل (موردنى) في أشكاله الصامتة المعادة الإنتاج في ذاكرته الفنية ، 


ديستال إعتمد الإيقاع الموسيقي للون الداكن و اكثار من العجائن و أن اللون يضيف  قوة. 

و البعد البصري ناتج رؤية معمقه

 من 1949و  حتى 1952نقف أمام ديستال و هو يجدد حتى في مفهومه هو للفن..

 و يعيد صيغ الجمل الهندسية السابقة و يتخلص من الخطوط بالمساحات 

   اللون يخلق مساحة لنفسه من خلال ازاحة اللون الأخر. 

و كأنه في نوتة موسيقية لتوزيع جمل منسقة باتقان إبداعي.

في هذه السنوات يتعرف ديستال على حبيبة جديدة ، صديقة لصديقته السابقة. نفس القصة تقريبا متزوجة

 لكنها تترك زوجها من أجل ديستال الذي تسكن  عيونه احزان غائرة و وجع بعيد ، شمس ينتظرها أن تطل من الوانه لا تأتي ، لكن قامته منصوبة، رأسه مرفوعة بابداعة و نضجه الفني الواضح.

  عوامل دفعت هذه المرأة هي الأخرى لأن تترك زوجها لتتزوج  ديستال..

. ينتعش من جديد  مع الحب ينتج و يجرد الطبيعة إلى أقصى حد دون خلل بنظام تكوين  اللوحة و بنائها ،

و المحافظة علي التراكيب الموسيقية و كأنها معشقات شرقية أو قطع من نسيج  و يقول ديستال بنفسه(   لا يعني لي شيئا أن أكون تجريدي أو تشخصي· 

المهم أن نرسم كما نحب. فاللوحة جدار كبير تحلق فوقه الطيور و تدخل و تخرج من اعماقه بفرح)

  يعود ديستال من الألوان المكثفة إلى الالوان البسيطة و الشفافة ،،لوحات تخرج من رحم الخطوط اليابانية أو الصينية و كأنها رغبة في تجريب فكرة الجرافيك  الخطي ،في انحياز إلى اصله الشرقي بحكم المولد في روسيا. بعد كل هذه التجارب الاوروبية . في هذه المرحلة الخطوط  تلتصق مع  بعضها لتعلن عن تشكيلات خطية منطلقة من خطوط عريضة قوية أو حسية و مبسطة  تصل إلى نقطة. اما النقطة تتحول بالعكس إلى خط عريض و قوي و متماسك متصل و لا يهتز تحت يد الفنان ،

كملحن موسيقي يعزف  

 بالمكعبات و التقسيمات الموسيقية ..

 مرحلة مهمة  من عمر الفنان  

تركت هذه المرحلة اثرا  على  العديد من الفنانين في العالم تأثروا باللعب على المقامات الشرقية الحسية كما فعل هو، ديستال الرائد.

 تشعر انه ينفذ اعمال جدراية مستفيدا من طريقه صف و تراكيب أحجار الأرضيات في شوارع فرنسا. 

فاحجار الأرضيات مرتبطة أحيانا بهذه الطريقة و نفس المجموعة اللونية. الرماديات أحيانا مع الأسود، لكن في أحيان عديدة من هذه المجموعة تختلف التراكيب اللونية لتصبح الألوان أكثر انتعاشا بوجود الأحمر و الأصفر. خاصة هذا الأحمر الساخن الصارخ .

 يقدم لنا حلولا  جمالية  و يطرح علينا حلولا لمساحات الأمل و الحلم و يحكم السيطرة علي النور الذي ظل يحلم به و نجح في تحقيق جزء كبير من حلمه. في هذه اللوحةالأخيرة العميقة التي يتجاوز حجمها ثلاثة أمتار من مجموعة لونية واحدة ، رماديات و اسود ،  كيف وضع فيها جماليات  تشكيلية تطرب بصيرة المتلقي.


 مجموعة الطبيعة الصامتة هي مجموعة ذات حلول جديدة و مهدت الطريق أمام مجموعة فناني الواقعية الجديدة في باريس.


 

نيكولا ديستال أب شرعي لهذه الحركة ، الانحياز إلى الطبيعة بشكل أكبر هذه المرة ، ربما تصل أعماله في هذه المرحلة إلى المباشرة.

  تجريد الطبيعة بشكلها .  يرسم 

، الأخضر بدرجاته اتساع البحر و امتداده بعمقه البصري أو و رسم مجموعة البيوت المتراصة بعناية و التي تجمع بين الاصفر و الاحمر 

 في كل مرة يعيد صياغة جمل الأزرق و صياغة الكتل البشرية .

و تحويل ذلك إلى التحام لوني مباشر و غير مباشر. 

لوحات ديستال هي مكسب حقيقي و ثورة أصلية لمتاحف فرنسا  هذه الأعمال الغنية و الأصيلة. ففي مرحلة عام 53 نجد 

 الفنان وصل إلى نضج كبير و بدأ يعرف كيف يخرج النور من العتمة،  و إذا كانت مراحل عديدة عنده شهدت تكتلات لونية إلا انه في المرحلة الجديدة أصبحت الكتل اللونية جبال أسواق تعانق صفاء النفس و الثورة المجردة

 و ينتصر للتشكيل أمام عنفوان و طغيان اللون في المراحل السابقة    

 رغم ذلك يتجه  الي نافذة المرسم و يلقي بنفسة منتحرا  لانه اكتشف ان البحث عن النور و النقاء و الصفاء (وهم) و لم يصل اليهم رغم تعبه ففضل الانتحار علي الاستمرار.

فنان تشكيلي وناقد.. مصر / فرنسا

رئيس صالون شمس العرب بباريس


مقالات دات صلة

التعليقات